بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
[ اللهُمَّ إنا نَحْمَدُكَ عَلَى مَا عَلَّمْتَ مِنَ البَيَانِ، وَأَلْهَمْتَ مِنَ التِّبْيَانِ. كَمَا نَحْمَدُكَ عَلَى مَا أَسْبَغْتَ مِنَ العَطَاءِ، وَأَسْبَلْتَ مِنَ الغِطَاءِ. وَنَسْتَكْفِي بِكَ الاِفْتِتَانَ بِإِطْرَاءِ المَادِحِ، وَإِغْضَاءِ المُسَامِحِ. كَمَا نَسْتَكْفِي بِكَ الاِنْتِصَابَ لإِزْرَاءِ القَادِحِ، وَهَتْكِ الفَاضِحِ. وَنَسْتَغْفِرُكَ مِنْ سَوْقِ الشَّهَوَاتِ، إِلَى سُوقِ الشُّبُهَاتِ. وَنَسْتَوْهِبُ مِنْكَ تَوْفِيقًا قَائِدًا إِلَى الرُّشْدِ، وَقَلْبًا مُتَقَلِّبًا مَعَ الحَقِّ، وَلِسَانًا مُتَحَلِّيًا بِالصِّدْقِ](1). [ اللَّهُمَّ صَلِّ أَفْضَلَ صَلاَةٍ وَأَكْمَلَهَا، وَأَدْوَمَهَا وَأَشْمَلَهَا، عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ عَبْدِكَ الذِي خَصَّصْتَهُ بِالسِّيَادَةِ العَامَّةِ، فَهُوَ سَيِّدُ العَالَمِينَ عَلَى الإِطْلاَقِ، وَرَسُولِكَ الذِي بَعَثْتَهُ بِأَحْسَنِ الشَّمَائِلِ وَأَوْضَحِ الدَّلاَئِلِ؛ لِيُتَمِّمَ مَكَارِمَ الأَخْلاَقِ](2).
أمَّا بَعْدُ؛ فَهِذِهِ فَوَائِدٌ مُقْتَطَفَة، اِنْتَقَيْتُهَا بِعَنَايَةٍ، اِسْتَوْقَفَتْنِي أَوْ اِسْتَوْقَفَنِي مَعْنًى فِيهَا، رَغِبْتُ فِي تَقْيِيدِهَا لاِسْتِذْكَارِهَا، وقد قيل:
العِلمُ صَيْدٌ والكِتَابَةُ قَيْدُهُ = قَيِّدْ صُيُودَكَ بِالحِبَالِ الوَاثِقَةِ
وَلَمَّا كَانَتْ مَوَارِدُ العِلْمِ وَفِيرَة، وَمَنَابِعُهُ مُتَنَوِّعَة وَفِيرَة، ضَيَّقْتُ هَذِهِ الكُنَّاشَة(3) إِلَى خُصُوصِ مَا اِنْتَقَيْتُهُ مِنْ كُتُبِ الأَدَبِ وَالأُدَبَاءِ.
[لَقَدْ نَثَرْتُ هَذِهِ الفَوَائِدَ كَمَا اِتَّفَقَتْ مِنْ غَيْرِ تَرْتَيبٍ وَلاَ جَمْعِ الشَّبِيهِ إِلَى مَا يُشْبِهِ، إِذْ رَأَيْتُ ذَلِكَ أَنْشَطُ لِلْقَارِئِ، وَأَبْعَثُ لَهُ عَلَى مُتَابَعَةِ القِرَاءَةِ](4)، [فَقَدْ تَمِلُّ النَّفْسُ مِنْ مَوْضُوْعٍ وَاحِدٍ يَتَتَابَعُ فِيهِ الكَلاَمُ عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ، وَلَكِنَّهَا تَنْشَطُ حِينَ تَنْتَقِلُ مِنْ مَعْنًى إِلَى مَعْنًى، كَمَا تَنْشَطُ النَّفْسُ حِينَ تَنْتَقِلُ فِي الحَدِيقَةِ مِنْ زَهْرَةٍ إِلَى زَهْرَةٍ، وَمِنْ ثَمْرَةٍ إِلَى أَخْرَى](5).
هَذَا وَقَدْ كُنْتُ أُقَدِّمُ رِجْلاً وَأُؤَخِّرُ أُخْرَى، مُتَرَدِّدًا فِي هَذَا الجَمْعِ، فَلَسْتُ أَجْهَلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ: « مَنْ أَلَّفَ كِتَابًا أَوْ قَالَ شِعْرًا فَإِنَّمَا يَعْرِضُ عَلَى النَّاسِ عَقْلَهُ. فَإِنْ أَصَابَ فَقَدْ اِسْتَهْدَفَ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَقَدْ اِسْتَقْذَفَ » وَلاَ قَوْلَ مَنْ قَالَ: « لاَ يَزَالُ المَرْءُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ أَمْرِهِ مَالَمْ يَقُلْ شِعْرًا أَوْ يُؤَلِّفُ كِتَابًا » .
عَلَى أَنِّي بِحَمْدِ اللهِ لاَ أَدْخُلُ مَيْدَانًا لَسْتُ مِنْ فُرْسَانِهِ، وَلاَ أَتَشَبَّعُ بِمَالَمْ أُعْطَ. فَلَيْسَ لِي هَاهُنَا إِلاَ الجَمْعُ وَالاِنْتِقَاءْ، وَالتَّعْلِيقُ بِمَا يُنَاسِبُ. وَصَدْرِيْ رَحْبٌ لاِنْتِقَادِ أَيِّ نَاقِدٍ أَوْ تَعْلِيقِهِ.
وَأَرْجُو لِقَارِئِي الكَرِيم أَنْ لاَ يَبْخَلَ عَلَيَّ بِدَعَوَاتِهِ لِي بِالصَّلاَحِ وَالهِدَايَةِ وَحُسْنِ الخَاتِمَةِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا وَمَوْلاَنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ الطَّيِّبِينَ الطَّاهِرِينَ وَصَحْبِهِ الأَكْرَمِينَ وَالحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينْ.
مهند عادل نجار
منتصف رجب عام 1430هـ بجدة.
______________________________
(1) اقتباس من: «مقامات الحريري»، أبي القاسم الحريري المتوفى510هـ، طبعة دار الكتب العلمية، (ص9).
(2) اقتباس من: «وسائل الوصول إلى شمائل الرسول»، الأديب الشيخ يوسف النبهاني المتوفى1350هـ، طبعة دار المنهاج، (ص27).
(3) الكناشة: أوراق تجعل كالدفتر يقيد فيها الفوائد والشوارد للضبط. انظر: «تاج العروس من جواهر القاموس»، الحافظ محمد مرتضى الزبيدي المتوفى1205هـ، طبعة دار الفكر عام1414هـ، (ج9 ص189).
(4) اقتباس من: «القلائد من فرائد الفوائد»، العلامة الدكتور مصطفى السباعي المتوفى1384هـ.
(5) اقتباس من: «هكذا علمتني الحياة»، العلامة الدكتور مصطفى السباعي المتوفى1384هـ، دار الوراق، (ص8).